ابن كثير

122

البداية والنهاية

عبد الله بن عبد الله بن عتبان ( 1 ) من الكوفة إلى عمر مع قريب بن ظفر العبدي بأنهم قد اجتمعوا وهم منحرفون متذامرون على الاسلام وأهله ، وأن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فنعاجلهم عما هموا به وعزموا عليه من المسير إلى بلادنا فقال عمر لحامل الكتاب : ما اسمك ؟ قال : قريب . قال : ابن من ؟ قال : ابن ظفر . فتفاءل عمر بذلك وقال : ظفر قريب . ثم أمر فنودي الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس وكان أول من دخل المسجد لذلك سعد بن أبي وقاص ، فتفاءل عمر أيضا بسعد ، فصعد عمر المنبر حتى اجتمع الناس فقال : إن هذا يوم له ما بعده من الأيام ، ألا وإني قد هممت بأمر فاسمعوا وأجيبوا وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ، إني قد رأيت أن أسير بمن قبلي حتى أنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين فأستنفر الناس ، ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم . فقام عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأي ، فتكلم كل منهم بانفراده فأحسن وأجاد ، واتفق رأيهم على أن لا يسير من المدينة ، ولكن يبعث البعوث ويحصرهم برأيه ودعائه . وكان من كلام علي رضي الله عنه أن قال : يا أمير المؤمنين ، إن هذا الامر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، هو دينه الذي أظهر ، وجنده الذي أعزه وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ . فنحن على موعود من الله والله منجز وعده ، وناصر جنده ، ومكانك منهم يا أمير المؤمنين مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه ، فإذا انحل تفرق ما فيه وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا . والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثير عزيز بالاسلام ، فأقم مكانك واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم ، فليذهب منهم الثلثان ويقيم الثلث ، واكتب إلى أهل البصرة يمدونهم أيضا . - وكان عثمان قد أشار في كلامه أن يمدهم في جيوش من أهل اليمن والشام . ووافق عمر على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة - فرد علي على عثمان في موافقته على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة كما تقدم ، ورد رأي عثمان فيما أشار به من استمداد أهل الشام خوفا على بلادهم إذا قل جيوشها من الروم . ومن أهل اليمن خوفا على بلادهم من الحبشة . فأعجب عمر قول علي وسر به - وكان عمر إذا استشار أحدا لا يبرم أمرا حتى يشاور العباس - فلما أعجبه كلام الصحابة في هذا المقام عرضه على العباس فقال : يا أمير المؤمنين خفض عليك ، فإنما اجتمع هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم . ثم قال عمر : أشيروا علي بمن أوليه أمر الحرب وليكن عراقيا . فقالوا : أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين . فقال : أما والله لأولين رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا . قالوا : من يا أمير المؤمنين ؟ قال : النعمان بن مقرن . فقالوا : هو لها - وكان النعمان قد كتب إلى عمر وهو على كسكر وسأله أن يعزله عنها ويوليه قتال أهل نهاوند - فلهذا أجابه إلى ذلك وعينه له ، ثم كتب عمر إلى حذيفة أن يسير من الكوفة بجنود منها ، وكتب إلى أبي موسى أن يسير بجنود البصرة ، وكتب إلى النعمان - وكان بالبصرة - أن يسير بمن هناك من الجنود إلى نهاوند ، وإذا اجتمع الناس فكل أمير على جيشه والأمير على الناس كلهم

--> ( 1 ) في فتوح البلدان 2 / 371 وفتوح ابن الأعثم 2 / 41 : من عمار بن ياسر .